الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

خاتمة 101

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

بان يكتب اليه ويقول أجزت لك ما كتبته لك أو كتبت إليك أو ما كتبت به إليك ونحو ذلك من عبارات الإجازة ثانيهما ما إذا كانت مجرّدة عن الإجازة اما المقرونة بالإجازة فقد صرح جمع بانّها في الصحّة والقوّة كالمناولة المقرونة بالإجازة وامّا المجرّدة عنها فقد وقع الخلاف في جواز الرّواية بها فمنعها قوم منهم القاضي أبو الحسن الماوردي والأمدى وابن القطان من حيث انّ الكتابة لا تقتضى الإجازة لما تقدم من انّها اخبار أو اذن وكلاهما لفظي ولأنّ الخطوط تشتبه فلا يجوز الاعتماد عليها ولكن عزى إلى كثير من المتقدمين والمتأخرين وأصحاب الأصول تجويز ذلك بل في البداية انّه الأشهر وفي غيرها انّه المشهور بين أهل الحديث لتضمّنها الإجازة معنى وان لم تقترن بها لفظا لأنّ الكتابة للشّخص المعيّن وارسالها اليه أو تسليمها إياه قرينة قويّة وإشارة واضحة تشعر بالإجازة للمكتوب له وقد تقدّم انّ الأخبار لا ينحصر في اللّفظ وتعليل المنع باشتباه الخطوط خروج عن الفرض وقد اكتفوا في الفتاوى الشرعيّة بالكتابة من المفتى مع انّ الأمر في الفتوى أخطر والاحتياط فيها أقوى ثم انّه يعتبر في الرّواية بالكتابة معرفة المكتوب له خطّ الكاتب للحديث بحيث يأمن المكتوب اليه التّزوير وشرط بعضهم البيّنة على الخطوط ولم يكتف بالعلم بكونه خطه حذرا من المشابهة والعلم في مثل ذلك عادىّ لا عقلّى وضعّف بانّ العلم العادي حجّة عليه بنى جميع أمور المعاش والمعاد واشتباه الخط نادر فعدم اشتراط البيّنة في صورة العلم العادي بخطّه أقوى للأصل وان كانت إقامة البيّنة أحوط الثاني انّ الكتابة انزل من السّماع لكون السّماع ابعد عن الاشتباه ولذا يرجّح ما روى بالسّماع على ما روى بالكتابة مع تساويهما في الصّحة وغيرها من المرّجحات والّا فقد ترجّح المكاتبة لأمور أخر قال في البداية وقد وقع في مثل ذلك مناظرة بين الشّافعى وإسحاق بن راهويه في جلود الميتة إذا دبغت هل تطهر أم لا يناسب ذكرها هنا لفوائد كثيرة قال الشّافعى دباغها طهورها فقال اسحق ما الدّليل فقال حديث ابن عبّاس عن ميمونة هلا انتفعتم بجلدها يعنى الشّاة الميتة فقال اسحق حديث ابن حكيم كتب الينا النّبى ( ص ) قبل موته بشهر لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب أشبه ان يكون ناسخا لحديث ميمونة لأنّه قبل موته بشهر فقال الشّافعى هذا كتاب وذاك سماع فقال اسحق انّ النّبى ( ص ) كتب إلى كسرى وقيصر وكان حجّة عليهم فسكت الشّافعى الثالث انه صرّح جمع بان من روى بالكتابة يقول كتب الىّ فلان قال حدثنا فلان أو أخبرنا مكالمة أو كتابة أو نحوه ولا يجوز اطلاق حدّثنا وأخبرنا مجرّد العدم التّميز ح عن السّماع وما في معناه وجوّز بعضهم اطلاق اللّفظين حيث انّهما اخبار في المعنى وقد أطلقوا الأخبار لغة على ما هو اعمّ من اللّفظ كما قيل ( تخبرني العينان ما القلب كاتم ) فتامّل كي يظهر لك كون استعمال الخبر في غير اللّفظى مجازا كما مرّ التّنبيه عليه في أوائل الكتاب سادسها الأعلام وهو ان يعلم الشّيخ شخصا أو اشخاصا بقوله الصّريح أو الظّاهر أو المقدّر أو الإشارة أو الكتابة انّ هذا الكتاب أو هذا الحديث روايته أو سماعه من فلان مقتصرا عليه من غير أن يأذن في روايته عنه ويقول اروه عنى أو اذنت لك في روايته ونحوه وفي جواز الرّواية به قولان أحدهما الجواز عزى إلى كثير من أصحاب الحديث والفقه والأصول منهم ابن جريح وابن الصّباغ وأبو العبّاس وصاحب المحصول وغيرهم تنزيلا له منزلة القراءة على الشّيخ فانّه إذا قرئ عليه شيئا من حديثه واقرّ بانّه روايته عن فلان جاز له ان يرويه عنه وان لم يسمعه من لفظه ولم يقل له اروه عنى أو اذنت لك في روايته عنّى تنزيلا لهذا الأعلام منزلة من سمع غيره يقرّ بشئ فله ان يشهد عليه به وان لم يشهده بل وان نهاه وكذا لو سمع شاهدا يشهد بشئ فإنه يصير شاهد فرع وان لم يستشهده ولأنه يشعر بإجازته له كما مرّ في الكتابة وإن كان أضعف منها ثم انّ بعض أهل هذا القول كالرامهرمزى صرّح بجواز روايته وان نهاه عن روايته كما سمع منه حديثا ثم قال لا تروه عنّى ولا أجيزه لك فانّه لا يضره ذلك لانّ منعه ان لا يحدّث بما حدّثه لا لعلة ولا ريبة لا يؤثر لأنّه قد حدّثه فهو شئ لا يرجع فيه اليه ثانيهما المنع من روايته لأنّه قد لا يجوز روايته مع كونه سماعه لخلل يعرفه فيه ولأنّ الشّاهد على الشّهادة لا يكون شاهد فرع الّا إذا استدعى شاهد الأصل ان يتحمّله الفرع ويأذن بذلك ولا يكفى اعلامه بالمشهود به والجواب عن الأوّل انّه اخصّ من المدّعى لاختصاصه بصورة النّهى وعدم شموله صورة السّكوت مضافا إلى عدم تاتّيه فيما إذا علم انّ منعه لا لعلة ولا ريبة فانّ منعه ح غير مؤثر وعن الثاني منع الأصل أولا ومنع القياس ثانيا سيّما مع الفارق فانّ الحديث عن السّماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى اذن بالإتّفاق بخلاف الشّهادة فانّها على مبنى المستدل تتوقف على الأذن والعجب من دعوى عيّاض وغيره الإتّفاق على وجوب ما اخبر به الشّيخ انّه سمعه ان صحّ سنده فانّه لا يلايم المنع من روايته فانّ احتمال الخلل ان كان موجودا لزم عدم جواز العمل بما اعلمه أيضا والّا لزم جواز روايته أيضا كما يجوز العمل به فالتّفصيل بين العمل والتحديث كما صدر منهم لا وجه له والأظهر جواز كلّ من التحديث والعمل مع الوثوق بروايته وعدم جواز شئ منها مع عدمه بل الأظهر جواز كلّ من التحديث والعمل حتى في صورة نهيه عن رواية ما اعلم به إذا علم انّ نهيه ليس لعلة فيما اعلم به أو ريبة فيه سابعها الوصيّة وهي ان يوصى الشّيخ عند موته أو سفره لشخص بكتاب يرويه ذلك الشّيخ وقد جوّز بعض السّلف كمحمّد بن سيرين وأبى قلاية للموصى له روايته عنه بتلك الوصيّة لأنّ في دفعه له نوعا من الأذن وشبها من العرض والمناولة وانّها قريبة من الأعلام وانّها ارفع رتبة من الوجادة بلا خلاف وهي معمولة بها عند جمع فهذه أولى ومنعه الأكثر لبعد هذا الضّرب جدا عن الأذن وتشبيهه بالعرض والمناولة اشتباه كما انّ ما قيل من انّ القول بالجواز امّا زلّة عالم أو متاوّل بإرادة الرّواية على سبيل الوجادة الّتى تاتى ممّا لا وجه له لأنّ القائل بهذا النّوع دون الوجادة موجود ولما عرفت من عدم الخلاف في كونها ارفع من الوجادة فلا وجه للتّأويل بإرادة الرّواية على سبيل الوجادة ثامنها الوجادة وهي بكسر الواو مصدر وجد يجد مولد غير مسموع من العرب الموثوق بعربيّتهم وفي البداية انّه انّما ولّده العلماء بلفظ الوجادة لما اخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة حيث وجدوا العرب قد فرّقوا بين مصادر وجد للتميّز بين المعاني المختلفة فانّهم قالوا وجد ضالّته وجدانا بكسر الواو واجدنا بالهمزة المكسورة ووجد مطلوبه وجودا وفي الغضب موجدة وجدة وفي الغناء وجدا مثلّث الواو وجدة وقرئ بالثلاثة في قوله تعالى أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وفي الحبّ وجدا فلمّا رأى المولّدون مصادر هذا الفعل مختلفة بسبب اختلاف المعاني ولّدوا لهذا المعنى الوجادة للتميّز ثم انّ هذا الضّرب من اخذ الحديث وتحمّله هو ان يجد انسان كتابا أو حديثا بخطّ راوية غير معاصر له كان أو معاصرا لم يلقه أو لقيه ولكن لم يسمع منه هذا الواجد ولا له منه إجازة ولا نحوها فله ان يقول وجدت أو قرأت بخطّ فلان أو في كتاب فلان بخطّه حدّثنا فلان ويسوق باقي الأسناد والمتن أو يقول وجدت بخط فلان عن فلان الخ قالوا وهذا الّذى استمرّ عليه العمل قديما وحديثا وهو منقطع مرسل ولكن فيه شوب اتّصال لقوله وجدت بخطّ فلان وربّما دلّس بعضهم فذكر الّذى وجد بخطّه وقال فيه عن أو قال فلان وذلك تدليس قبيح ان أوهم سماعه